حسن الأمين

287

مستدركات أعيان الشيعة

السورية واشتبكت بالفرنسيين واعتقل الشبان والطلاب وسجنوا وعذبوا . وكانت الأخبار تصلنا فننفعل بها انفعالا كاملا دون أن نستطيع المشاركة العملية . لأن الرأي العام عندنا لم يكن مهيئا لأية مشاركة من هذا القبيل ، ولأن الفرنسيين قد تسلطوا على البلاد عن طريق وجاهات خلقوها أو دعموها وجعلوها تتحكم بمصائر الناس ومضارهم ومنافعهم . في النباطية وفي يوم من الأيام مضيت من شقرا إلى النباطية - وكثيرا ما مضيت إليها - فركبت الفرس من شقرا مصطحبا معي رجلا ليعود بها ، فمررنا بالبركة في طرف القرية الشرقي لنهبط عقبة السكيكة . والبركة في شقرا - كما في كل القرى - من أطرف ما في القرى ، فهذا الماء الآسن المتجمع خلال الشتاء مما يتدفق سواء من أزقة القرية أو خارج القرية من فيوض المطر ، والمتكون حوضا واسعا راكدا ، إنما يصلح في القرية لكل شيء في حين أنه في الواقع لا يصلح لشيء . ولأي شيء يمكن أن يصلح ماء ركد في حيز معين فتولد فيه ما لا يعلمه إلا الله من صنوف الأحياء التي يمكن أن تتولد في الماء الراكد الآسن ، مما تراه العين صغيرا وكبيرا أسود وأحمر ومن كل لون . أو مما لا تراه العين أصلا . . . ولكنه كما قلت يصلح في القرية العاملية لكل شيء : إنه أولا وقبل كل شيء مورد لكل ما في القرية من خيول وحمير وبقر وغنم وماعز ، وما أكثر ما في القرية من هذه الصنوف . ثم هو مشرع لشيئين اثنين أساسيين من حاجات القرية اليومية ، فيه تغسل أواني البيوت جميعا . في هذا الماء القذر تنظف أواني القرية . . . ومنه تغسل ملابس القرية ، فمنذ الصباح الباكر تنظم الأثافي وتوقد فيها النيران وتوضع عليها القدور فيسخن الماء ويغلى به ما حملته القرويات من منازلهن أثوابا وملاحف وكل ما حفل به البيت القروي مما يتسخ فيغسل . . . فإذا أقبلت صباحا من القرية هابطا إلى الشرق في اتجاه البركة ، أبصرت الدخان يتعالى من جميع أطرافها الدائرية من مواقد الغسيل . . . وهذا الماء نفسه هو مسبح القرية يتدرب فيه صبيانها على السباحة ثم يتقنها فيه فتيانها وشبانها . ومن هذا الماء تروى مشاتل ( الدخان ) ، ثم أغراس الدخان . . . وفيه ينقع البابير الجاف ليلين فيصلح لربط ( البنادك ) وغير البنادك ولعل له منافع أخرى غابت عن معرفتي ، فمن منافعه - فيما أذكر - أنه مغتسل للموسوسين الذين لا يطمئنون لصحة الغسل الترتيبي فيقصدون البركة ليغتسلوا ارتماسا ، صيفا وشتاء . . . ومغتسل لغير الموسوسين ممن تضطرهم قلة الماء في بيوتهم فيغتسلون في البركة ليوفروا الماء . . أقول : مررنا بالبركة صباحا ، ومواقدها عامرة وقدورها متضرمة وتجاوزناها إلى مطلع عقبة السكيكة واصلين إلى وادي السلوقي ومنه إلى وادي الحجير حيث ينتهي عند مشارف الليطاني . ومن هناك عبرنا جسر القاعقعية على نهر الليطاني حيث يفترق الطريق الموصل إلى النباطية إلى شعبتين فاما أن يسلك السالك طريق ( القاقعية ) ، وأما أن يسلك طريق ( زوطر ) ولا بد في كلا الطريقين من تسلق عقبتين كئودين ، فاما العقبة الأولى فأقل مشقة ، ولكن طريقها الأطول في الوصول إلى النباطية . وأما الثانية فإنها جبل شامخ متدرج في الارتفاع تدرجا عاموديا مضنيا ، ولكن طريقها في النهاية هو الأقصر . لذلك كنا في ذهابنا إلى النباطية نسلك طريق عقبة زوطر مصعدين على ظهور الخيل تصعيدا بطيئا مقلقا ، حتى ننتهي إلى قرية زوطر فنجتازها عابرين في السبل الموصل إلى النباطية فلا نصلها إلا بعد حوالي سبع ساعات من خروجنا من شقرا . وأذكر أننا كنا عندما نصل إلى مرتفع مشرف على النباطية حيث تبدو لنا منه البلدة فجاة ، ندرك أننا في المرحلة الأخيرة من سفرنا هذا وهنا ننزل عن الخيل فنبدل ملابسنا أو على الأصح بعض ملابسنا ونترك ما كان علينا ، لما كان يمكن أن يكون قد لحقه من أوضار خلال الطريق من عرق الخيل وغير عرق الخيل ، ثم نمضي إلى النباطية واصلين رأسا إلى ( الخان ) حيث نودع الدواب فيه لنعود عليها بعد يوم أو أيام إذا كانت عودتنا [ فريبة ] قريبة ، أو لنعيدها مع من يكون قد صحبنا من الرجالة ، إذا كانت إقامتنا ستطول ، أو أننا سنغادر النباطية إلى صيدا أو بيروت أو غيرها في غيبة طويلة . والنباطية كانت مقرا لاثنين من أعلام جبل عامل علما وخلقا وأدبا ووطنية ، هم الشيخ أحمد رضا والشيخ سليمان ظاهر . وكنا حين نجيء النباطية فأول شيء نفكر فيه هو حضور مجلس الشيخ أحمد رضا الذي تلتقي فيه نخبة من رجال النباطية كل يوم إما عصرا وإما ليلا ، أو بالأحرى عصرا وليلا هناك في منزلة الكريم على الجادة قريبا من ساحة البلدة العامة . المنزل المحاط ببستان البرتقال الأخضر والمسقوف بقطع ( القرميد ) الأحمر والممتد طولا بطبقة واحدة تضم غرف المنزل الداخلية ، وأولا وقبل كل شيء في المدخل غرفة ( الشيخ ) الخاصة بمكتبته وسريره بحيث يغمض عينيه ليلا ، فيكون آخر ما يشاهد رفوف الكتب ، ثم يفتحها صباحا ، فيكون أول ما يشاهد تلك الرفوف ، ثم يعيش نهاره محاطا بها والقلم بيده والورق تحت بصره . . . إلا أن يفاجاه اثنان اختلفا على حد في أرضهما ، أو تنازعا على شان من شئونهما ، فيهب معهما مستجيبا هاشا باشا . . . عناك في منزله تحت أغصان شجرة الياسمين النضيرة بزهرها الأبيض العابق المتفتح ، وأغصانها الخضر الظليلة ، وحول الحوض المترع بنافورته الصغيرة المتشامخة . وما هو أكثر نضارة وأفوح أرجا وأروى على الظما : حديث الشيخ أحمد رضا وخلقه وعلمه وأدبه . مجلس الشيخ أحمد رضا تحت شجرة الياسمين وحول حوض الماء ، كان ندوة من أزهى الندوات العربية وأكثرها خصبا وأبعدها أثرا . وإذا كان قد قدر لكثير من الندوات في شتى بلاد العرب أن يشار إليها ويكتب عنها وينتشر ذكرها فإنه لم يقدر لندوة الشيخ أحمد رضا أن تنال شيئا من هذا الحظ . بل أن منزل الشيخ أحمد رضا الذي طالما ضم أفضل العلماء وأعذب